حيدر حب الله
12
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
مجرّد افتراض المصلحة لا يسقط قيمة الحديث ؛ إذ يكاد لا يبقى حديث إلا ويمكن فرض هذا فيه ، كما قد لا يبقى علمٌ باسم علم التاريخ بعد اليوم . يجب أن ندقّق في استخدام التعابير عندما نتعامل مع التاريخ ، وأن لا تأخذنا حالة فقدان الثقة بالنصوص ، والتي سبّبتها الجدالات الطويلة بين علماء الدين أو سبّبها الإخفاق الذي نشهده هنا أو هناك للحالة الإسلاميّة ، ولهذا كنت وما أزال أدعو دائماً لتوازن نفسي قبل التعامل مع الدين ، يعطي شخصيّتنا رزانتها ومنطقيّتها في التعامل مع الظاهرة الدينيّة ، فلا تُقْبِل على كلّ ما يقال ومن منطلق عاطفي ، ولا تعيش أيضاً حاجزاً نفسيّاً مع النصوص الدينية من منطلق ردّ فعل سلبي على إخفاقات الواقع أو على الفوضى المعرفيّة التي نعيشها اليوم ، والتي يتوه فيها العقل الألكتروني ، ويهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربّه ، فمنطلق كلّ وعي عقلانيٍّ سليم هو نفسٌ سليمة ، فالعقل السليم ليس فقط في الجسم السليم كما يقولون ، بل في النفس السليمة الهادئة التي لا تعيش اضطراباً ، بل يمكنها - إذا وضعت أمام مكتبها الأوراق والوثائق التاريخيّة والدينية - أن تتعامل معها كأنّها تتعامل ، قدر الإمكان طبعاً ، مع موادّ مختبريّة لا انحياز لها ولا عليها . ولن نتمكّن من ذلك وسط فوضى المعرفة التي نعيش إلا بإصلاح النفوس قبل إصلاح العقول ؛ لأنّ العقل - وخلافاً لتصويرات الأرسطيّين العقليين - ليس معلّقاً أبداً في فضاء ، بل هو على صلة دائمة بالنفس وميولها وظروفها السيكولوجية والاجتماعيّة ، فكلّما تعالت النفس تعالى العقل ، وفي الوقت عينه فإنّ النفس تتعالى بوعي عقلي ، والعظماء هم أولئك الذي يفكّرون فوق مستوى العقل الجمعي الذي يحيط بهم ؛ لأنّ نفوسهم تحرّرت من هزّات وأزمات هذا